شاءت الإرادة الملكية السامية إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، فصدر في الجريدة الرسمية عدد 4044 بتاريخ 7 شوال 1410 (2 مايو 1990) ظهير شريف رقم 1.90.12 مؤرخ في 24 رمضان 1410 (20 أبريل 1990) يتعلق بهذه المؤسسة هيكلة، واختصاصا، ومسطرة.وغني عن البيان أن المغرب البلد العريق في المجد تقيد دائما بالشرعية الدولية، وربط ربطا جدليا مع...
قراءة الكل
شاءت الإرادة الملكية السامية إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، فصدر في الجريدة الرسمية عدد 4044 بتاريخ 7 شوال 1410 (2 مايو 1990) ظهير شريف رقم 1.90.12 مؤرخ في 24 رمضان 1410 (20 أبريل 1990) يتعلق بهذه المؤسسة هيكلة، واختصاصا، ومسطرة.وغني عن البيان أن المغرب البلد العريق في المجد تقيد دائما بالشرعية الدولية، وربط ربطا جدليا معركة الاستقلال بمعركة الديمقراطية، وإقامة دولة القانون. وهكذا دعا المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع لهيأة الأمم المتحدة الدول الأعضاء منذ 21 يونيو 1946 لمناقشة مناسبة تأسيس مجموعة الإعلام، ولجان محلية لحقوق الإنسان، قصد مساهمتها مع المنتظم الدولي في تنمية مهام لجنة حقوق الإنسان ؛ وقد حددت الجمعية العامة هذه التوصية في 16 دجنبر 1966 ضمن قرار الموافقة على العهود الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، وبعد ذلك حددت المبادئ الرئيسية وهيكلية هذه المؤسسات الوطنية، حيث وقعت المصادقة عليها من طرف الجمعية العامة بتاريخ 14 دجنبر 1976، ومن قبل لجنة حقوق الإنسان بتاريخ 14 مارس 1979.وفي سنة 1989 أصدرت لجنة حقوق الإنسان قرارا يقضي بتشجيع الدول الأعضاء على إنشاء مؤسسات وطنية لحماية حقوق الإنسان والارتقاء بها أو العمل على دعم هذه المؤسسات إن كانت موجودة، وإحلالها مكانة خاصة في تخطيطات التنمية الوطنية. كما اعتبرت الحركة الوطنية بقيادة فقيد العروبة والإسلام جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، ووارث سره جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله الانعتاق من الحجر والحماية وسيلة لتحقيق الديمقراطية وحقوق الإنسان.أفلا نقول بأن إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان كان تلبية لتلك التوصيات التي صدرت عن المنتظم الدولي، وتنفيذا لاختيارات العرش العلوي المجيد القائم على تقوى من الله، اختيارات اعتبرت حقوق الإنسان في مقدمة الاهتمامات الرئيسية لسياسة المملكة. قال جلالة الملك حفظه الله في خطاب العرش لسنة 1961 :«وإن من جاهد من أجل الحرية لا يمكن إلا أن يكون معها، ومن ناضل من أجل فرض حقوق الإنسان والمواطن على الاستعمار لا يكون إلا وفيا لها في عهد الاستقلال بشرط أن لا يقع المس بقدسية مفاهيم المثل، وأن تحترم قدسية الواجبات، واحترام قدسية الحقوق، وإن تمارس الحقوق والحريات في نطاق المسؤولية لئلا تعبث بها الفوضى».إن المجلس مؤسسة وطنية استشارية، مستقلة عن السلط التشريعية، والتنفيذية والقضائية ؛ يعمل تحت الإمرة المباشرة لصاحب الجلالة، مهمته مساعدة جنابه الشريف في جميع القضايا المتعلقة بحقوق الإنسان ؛ تبلور تشكيلته التعددية السياسية، والنقابية، والثقافية، والدينية، يهدف خلق مناخ ثقافي، وتحقيق الانسجام بين القوانين، والتطابق بين التشريع والممارسة، وبلورة قواعد القانون الدولي بالمصادقة على المعاهدات المتعلقة بالموضوع، وتأسيس تعاون مع المنظمات المهتمة بحقوق الإنسان.كونت هذه المؤسسة مجموعات العمل التالية : التشريع الجنائي وحقوق الإنسان، الوضعية في السجون، الإعلام والاتصال بالمنظمات المهتمة بحقوق الإنسان، الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والوضعية الخطيرة لحقوق الإنسان بشأن المحتجزين في مخيمات تندوف.وبديهي أن مهمتها دراسة ما يندرج تحت اختصاصاتها من المواضيع المحالة إلى المجلس، وتقديم توصيات تناقش في الجمع العام، فإذا وقع تبنيها بتعديل أو بدونه رفعت مقترحات إلى الجلالة الشريفة.لقد رفع المجلس إلى جلالته مقترحات بعضها يتعلق بالوضع تحت الحراسة والاعتقال الاحتياطي، ومشروع قانون المسطرة الجنائية، ومشروع مرسوم يتعلق بنظام السجون، ومشروع مدونة الشغل، والعفو الشامل.ويشهد التاريخ أن جميع الأعضاء انصهروا، وتكتلوا، وتوحدوا، لصالح نداء الأمانة الذي شرفهم به صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني في الخطاب التاريخي لتنصيب هذه المؤسسة : «... فيا أعضاء هذا المجلس، أناشدكم الله بنزاهتكم ووطنيتكم أن تعينوني على إرجاع الحق لمن اغتصب منه، وأن تعينوني على أن نرفع جميعا هذا البلد إلى مستوى الدول المتحضرة، دول القانون. وأناشدكم أخيرا أن تكونوا حقيقة أنتم المدافعون إما إيجابيا أو سلبيا، إيجابيا أن تقولوا : نعم في هذا الملف خرقت حقوق الإنسان، أو سلبيا، في هذا الملف لا خرق لحقوق الإنسان وإنما هذا كذب وتلفيق وزور...».لقد اهتم الفكر المغربي في أدبياته وبحوثه الفقهية والقانونية، والسياسية بهذ المؤسسة ومقترحاتها، ما بين نقد حاد جاحد، ونقد رقيق ناصح، ما بين تقريظ جزافي، وآخر موزون مقفى إن صح التعبير.ومما يبعث على الارتياح أن الموضوع أصبح محل أطروحات في كليات الآداب والعلوم الإنسانية، والحقوق، والمدرسة الوطنية للإدارة، للتعرف على المؤسسة ضمن مرجعية دينية، ودولية، ووطنية. وقد أبى الأستاذ محمد سعيد بناني إلا أن يدلي بدلوه بكتاب أقدمه للقارئ الكريم.لقد عرفته منذ سنة 1974، قاضيا ملتزما، تتوفر فيه الشروط الواجبة في القاضي المومن برسالته الخالدة ألا وهي : «إحقاق الحق وإزهاق الباطل»، باحثا في قانون الشغل المغربي والعربي ؛ عاش تجربة المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان منذ تأسيسه، ومع ذلك اقتصر نشره من نتاج المجلس تقيدا بالسر المهني.استهل مؤلفه بجهد متميز في رصد مفهوم «لغة حقوق الإنسان» فعن له اختلاف مرجعي وتطبيقي بين «لغتنا نحن» وبين «لغة الآخر» في هذا الفضاء، وحاول فك رموز لغة الآخر والنتيجة مثقلة بالدلالات والانعكاسات ؛ وأوضح من خلال تحليل منهج المجلس وعمله كيف تسامى هذا الأخير بقضية حقوق الإنسان، لتحقيق إجماع صلب، تعلق الأمر بمقترحات مرتبطة بالحقوق المدنية والسياسية، أو الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ؛ وإني أعتقد أن هذا الكتاب مرجع للطالب، والمتخصص والباحث، والمناضل في معركة حقوق الإنسان، كتبه بقلبه وفكره مومنا بأن هذه القضية تفرض الأخلاق تقيد الجميع بها ضمن الرسالة الإسلامية الخالدة، والحضارة المغربية العريقة والتطلعات الإنسانية الرائدة.