عندما دقت طبول الحرب ، وارتفع أزيز الطائرات ، وانهالت آلاف القنابل تدك البصرة وبغداد والموصل ... ونشطت الآلة العسكرية الأنجلوأمريكية في تغيير معالم الخريطة ، كان من الواضح أن ثمة مرجعية فكرية تقف خلف هذه الطبول ، وأن لحناً قديماً يعاد توزيعه ليتناغم مع هذا الأزيز ، وأن آلية أيديولوجية تحرك هذه الآلة .. فمنذ آشور وبابل وصولاً إلى...
قراءة الكل
عندما دقت طبول الحرب ، وارتفع أزيز الطائرات ، وانهالت آلاف القنابل تدك البصرة وبغداد والموصل ... ونشطت الآلة العسكرية الأنجلوأمريكية في تغيير معالم الخريطة ، كان من الواضح أن ثمة مرجعية فكرية تقف خلف هذه الطبول ، وأن لحناً قديماً يعاد توزيعه ليتناغم مع هذا الأزيز ، وأن آلية أيديولوجية تحرك هذه الآلة .. فمنذ آشور وبابل وصولاً إلى حرب الخليج الثالثة لم تغب العراق ( بلاد ما بين النهرين وبلاد الرافدين ) عن الذاكرة اليهودية ، بل كانت حاضرة في الاستراتيجية الإسرائيلية وحاضنة لتوجهاتها في المنطقة .. إنها توجهات رسمتها أسفار التوراة منذ مئات السنين وأعادت الشراكة الصهيوأمريكية صياغة هذه الأسفار بشكل عصري ، بل في شكل تاريخي مقلوب فمن سبي اليهود في بابل إلى سبي العراق في واشنطن .. إنها عقد التاريخ وترسبات الماضي البعيد التي تسيطر على الحدث الراهن وتحصره في دائرة الثأر .. ولهذا فقد قرأنا ذلك الحدث بعيون تاريخية ضاربة في عمق الماضي البعيد وممتدة إلى مئات السنوات قبل الميلاد ، وربما راودتنا في أثناء هذه القراءة شعور بالإحباط والأسى ، وثارت جملة تساؤلات في نفسي ، لماذا نتعب أنفسنا في كتابة التاريخ الذي لا يقرأه متدبر ، ونرهق أدمغتنا في اجترار حوادثه التي لا يقف عندها متأمل ؟! فالإشكالية – في تصوري – ليست في كتابة التاريخ أو في اجترار حوادثه أو ملأ صفحاتنا بأيامه وشخوصه ، بل الأصعب من ذلك وأكثر تعقيداً هو قراءة التاريخ واستنطاق أحداثه ومعايشة أيامه واستخلاص عبره من وسط عبراته ، والوقوف على وهننا من عمق هناته .. ولذلك نحن مدعون إلى ربط الآني بالماضي ، وراهن الحدث بما قد حدث ، فعندما ترصد بعض عبارات العهد القديم وتفتش في نصوصه لن تعجب كثيراً إذا وجدت ما دار على أرض الرافدين من تدمير وخراب شاهدناه وشهدنا عليه وسجلناه في صفحات الأسى والوهن والانتكاسة العربية ، موجود هناك في صفحات التوراة في دعوات أشبه بالتحريض إن لم تكن هي التحريض ونداءات للثأر أشبه بالتقويض ..