يقوم كتاب «أين الخطأ» على الجدلية بين التقدّم والتأخر، بين الثقافة الأصيلة والثقافة المستعارة. أما الثقافة المتقدمة فهي الثقافة الغربية العلمانية الحديثة. بينما المنكفئة، هي الثقافة الإسلامية المنقبضة على ذاتها، والمحتفظة بمخزونها الموروث. والنقطة التي يثيرها لويس في الكتاب هي نقطة التماس والاحتكاك. المكان المشترك بين الداخل وال...
قراءة الكل
يقوم كتاب «أين الخطأ» على الجدلية بين التقدّم والتأخر، بين الثقافة الأصيلة والثقافة المستعارة. أما الثقافة المتقدمة فهي الثقافة الغربية العلمانية الحديثة. بينما المنكفئة، هي الثقافة الإسلامية المنقبضة على ذاتها، والمحتفظة بمخزونها الموروث. والنقطة التي يثيرها لويس في الكتاب هي نقطة التماس والاحتكاك. المكان المشترك بين الداخل والخارج. بين الحقل الإسلامي والحقل العالمي، على ما يذهب إليه، طيب تيزيني في بعض أقواله. ونتيجة هذا التجاذب الحتمي والمفترض بين الحقلين الحضاريين بحكم التطورالتاريخي الذي قضى أن يتجدد الغرب ويتمدد، ويتقلص الشرق، كان لا بد لهذا الأخير أن يتحصن داخل خطوطه الدفاعية، متشبثًا بتصوراته ومقولاته وأفكاره وذاكرته، في حين ان سنن التاريخ والاجتماع تفرض عليه تحديث المعايير، وتطوير الوسائل والأساليب المادية، والأبنية المنطقية والذهنية. ولا تدفع المكابرة ولا الإنكار ولا الحذر غائلة القدر. وإذا كان برنارد لويس اختار لحظة انحسار النفوذ الإسلامي الذي مثلته الإمبراطورية العثمانية لعدة قرون، بإبرام معاهدة «كارولوفيتس» التي أقر فيها العثمانيون بهزيمتهم امام جيش النمسا، فإن المسلمين داخل الإمبراطورية وخارجها لم يذعنوا للهزيمة هذه، ولا للهزائم والإخفاقات المتكررة التي منيوا بها فيما بعد. ومرد هذا الإصرار وعدم الانكسار أمام رياح الغرب، وما حملته من بذور الحداثة، يعود إلى صعوبة انسلاخهم عن جذورهم، وثقافتهم الدينية التي يمثل نواتها الصلبة الإسلام، بوصفه الوجه الأكثر دلالة على هوية هذه الشعوب. فالمسلمون يرفضون أن يتخذوا الغرب المسيحي أو اوروبا العلمانية مثالًا ونموذجًا في العيش والفكر. ويؤثرون، لا سيما الأصوليين منهم، العيش في كنف التقاليد والأعراف والسنن الإسلامية التي لم تتبدل تبديلًا. وبقدر ما يشعر هؤلاء بجروحهم الحضارية، ويتحسسون الهوان والضعف، فإن ردود أفعالهم ضد الغرب تتفاقم عنفًا وشراسة، وتمثل العمليات الإرهابية بعضًا من هذه التجليات السافرة.