طوال حياتي وأنا مُطارد بمسائل الإبداع الساحرة. فلماذا «تطفو» من اللاوعي في لحظة معينة فكرة أصيلة في العلم أو الفن؟ وما العلاقة بين الموهبة والفعل المُبدع، وبين الإبداع والموت؟ لماذا تمنحنا مسرحية صامتة أو رقصة كل هذه البهجة؟وكيف استطاع هوميروس في تناوله لشيء بشع في مجمله كحرب طروادة، أن يصوغه شعرًا، والذي أصبح فيما بعد مرشدًا لأ...
قراءة الكل
طوال حياتي وأنا مُطارد بمسائل الإبداع الساحرة. فلماذا «تطفو» من اللاوعي في لحظة معينة فكرة أصيلة في العلم أو الفن؟ وما العلاقة بين الموهبة والفعل المُبدع، وبين الإبداع والموت؟ لماذا تمنحنا مسرحية صامتة أو رقصة كل هذه البهجة؟وكيف استطاع هوميروس في تناوله لشيء بشع في مجمله كحرب طروادة، أن يصوغه شعرًا، والذي أصبح فيما بعد مرشدًا لأخلاقيات الحضارة الإغريقية بأسرها؟سألت نفسي هذه الأسئلة لا بوصفي متفرجًا، ولكن بوصفي شخصًا يُشارك هو نفسه في الفن والعلم. سألتها بدافع من الإثارة التي أعانيها، عندما أتأمل، على سبيل المثال، لونين من ألواني يختلطان ليخرج منهما لون ثالث لم أكن أتوقعه. أليس من السمات المميزة للكائن البشري أن يتوقف لحظة في سباق التطور المحموم ليرسم على جدران الكهف في لاساوكز Lascaux وألتاميرا Altamira تلك الوعول والثيران البنيِّة المُشربة بالحمرة التي مازالت تملأُنا بالإعجاب والرهبة الممتزجتين بالدهشة؟ ماذا لو أن إدراك الجمال كان في حد ذاته سبيلاً للحقيقة؟ ماذا لو أن «الرشاقة» - كما يستخدمها علماء الفيزياء لوصف إكتشافاتهم- كانت مفتاحًا للواقع النهائي؟ ماذا لو كان جويس على حق في قوله: إن الفنان يبدع «الوعي اللامخلوق للجنس البشري؟»......أما العنوان فقد أوحى به إليَّ كتاب بول تيليتش «الشجاعة من أجل الوجود» وهذا دين يسعدني أن أعترف به. غير أن الإنسان لا يمكن أن «يوجد» في فراغ، لهذا فنحن نعبِّر عن وجودنا بالإبداع. فالإبداع تكملة ضرورية للوجود. وفضلاً عن ذلك، فإن كلمة «الشجاعة»، الواردة في عنواني، تشير - بعد الصفحات القلائل الأولى من الفصل الأول- إلى ذلك النوع الخاص من الشجاعة اللازمة لفعل الإبداع، ونادرًا ما نعترف به في مناقشاتنا التي تدور حول الإبداع، والكتابة عنه أكثر ندرة.رولو ماي