انثيالاتُ حكيم الدَّاوودي نشيجٌ يسرقُ عصيرَ الشَّجن بلا غصّة أو غضن. النَّصُّ الغرائبي لديه لوحةٌ، كلُّ لوحة امتحانٌ، بل أختٌ لسواها لا شبَهَ بين واحدة وأخرى، لذلك لن أكرّرَ عباراتٍ من شجنه، حسبُ القارئ أن تتذوّقَ حنجرتُه تمتماته المكبوتة والمقموعة والمُلتبسة والعصيّة على المزاج. الصِّدقُ لديه انجاز يجاور النّجم في قاع السَّماء،...
قراءة الكل
انثيالاتُ حكيم الدَّاوودي نشيجٌ يسرقُ عصيرَ الشَّجن بلا غصّة أو غضن. النَّصُّ الغرائبي لديه لوحةٌ، كلُّ لوحة امتحانٌ، بل أختٌ لسواها لا شبَهَ بين واحدة وأخرى، لذلك لن أكرّرَ عباراتٍ من شجنه، حسبُ القارئ أن تتذوّقَ حنجرتُه تمتماته المكبوتة والمقموعة والمُلتبسة والعصيّة على المزاج. الصِّدقُ لديه انجاز يجاور النّجم في قاع السَّماء، عباراتُه باقاتٌ زَهريّة في زُهريات كريستال. لكنّه يتلاعبُ ويلعب بالكلمة والصُّورة والإيقاع ويدحسُ الحسَّ في أكمام خياراته وقناعاته المُستلّة من جوزاء البصيرة ومنظور باصرته. كلّ قصيدة، إنْ جاز التَّعبير، مغامرة في الحداثة وغشيان مجاهل حُلميّة لا تتوافرُ إلّا في كنف المستقبل المستحيل على التَّبصّر. الجّملة تخطو آناً في حقلٍ ناري وآناً في دربٍ مفروش بالمفاجأة والصَّدمة تحتَ سماءٍ ملغومة بالرَّعد والصَّاعقة. وخللَ القراءة تُشعرنا الصُّورُ بالرَّجفة والحُمّى وكذا بجنون موقّت. أغلبُ الظَّن أنّ الشُّعراء يتقمّصون جنونَهم ويركبون متن هواهم، يجرفهم إلى عوالم ميتافيزيقيّة وراءَ الوراء الأعمق. هذا الدِّيوانُ أشبهُ بصالة الرَّسم المكتظّة جدرانها بعديدٍ من رسوماتٍ غرائبيّة تحتشدُ بالدَّهشة والغرائبيّة. قراءة اللَّوحة تحتاجُ إلى قاريء موسوعي يمتلك خزينَ شأوٍ وشأنٍ في استنطاق الخط واللَّون والإيقاع. فلن يكون سهلاً على حكيم الدَّاوودي أن يكسب قرَّاءً يُديمُ بينه وبينهم صلة التَّفاهم. اللَّوحةُ الشِّعريّة كائنُ كينونةٍ مُحيّرة تتحصّن بالغموض والعُزلة والانتماء إلى جبهة مستغرقة في المُتناهي الَّذي لا تخترقها بصيرةٌ أو بصرٌ. أحياناً نلومه على الغموض والانكفاء والعزلة. فلا يجيب عن سؤالنا، وربَّما يقولُ مع نفسه: حاول أن تفهمني حين تقرأني وقد يمتلأ غورُه بالسّخرية على مَنْ لا يفهم جدليّة الشِّعر ولا يلجُ متاهاته ودروبه الملتوية بوعي عقلاني.