مقدمة الكتاب جاء الإسلام ليقيم مجتمعا متماسكا علي أنقاض المجتمع العربي القديم ، وقد اتبع في سبيل صياغة هذا المجتمع الجديد صياغة متميزة تتلافى عيوب المجتمع الجاهلي القديم، سياسة تهدف إلى جانب تطوير وتهذيب الكيانات العشائرية والقبلية القديمة ، إلى إعادة تشكيل وصياغة كيانات اجتماعية جديدة تستمد وجودها من مفاهيم الإسلام وقيمه ومباد...
قراءة الكل
مقدمة الكتاب جاء الإسلام ليقيم مجتمعا متماسكا علي أنقاض المجتمع العربي القديم ، وقد اتبع في سبيل صياغة هذا المجتمع الجديد صياغة متميزة تتلافى عيوب المجتمع الجاهلي القديم، سياسة تهدف إلى جانب تطوير وتهذيب الكيانات العشائرية والقبلية القديمة ، إلى إعادة تشكيل وصياغة كيانات اجتماعية جديدة تستمد وجودها من مفاهيم الإسلام وقيمه ومبادئه.فلم يهمل الإسلام البناء العشائري القديم,بل حافظ علي هيكله العام بحيث تتم الاستفادة منه في تدعيم وحده المجتمع الجديد، عن طريق الاستفادة من خصائصه المتميزة مثل الترابط والتكافل والتماسك بين أفراد العشيرة والقبيلة ، كما تمت الاستفادة من هذه الكيانات القديمة أيضا كوحدات إدارية ضمن النظام الإداري للدولة ، حيث تولى قادتها مهام إدارية بحتة كجمع الصدقات و تحديد المساهمات العسكرية أثناء الحروب ، فكانوا بمثابة حلقة وصل بين كياناتهم وأتباعهم والحكومة الإسلامية ، وهكذا ظلت للقبيلة والعشيرة مكانه واضحة في المجتمع الجديد ، ولكنها جاءت في المرتبة الثانية بعد الرابطة العقائدية التي باتت تربط كافة أفراد المجتمع المسلم .وفي نفس الوقت عمل الإسلام على التخلص من عيوب وسلبيات ذلك المجتمع القديم كالعصبية والتناحر، التي فتتت وحدة العرب قبل الإسلام ، وكلفتهم البقاء طويلا في بوتقة العزلة والتخلف ، فعمل على تشكيل كيانات جديدة تتجاوز حدود العشيرة والقبيلة وتتقاطع معها ، وكان من أبرز هذه الكيانات كيان المهاجرين الذي شمل المسلمين من غير أهل المدينة على اختلاف انتماءاتهم القبلية ، كذلك كيان الأنصار الذي ضم أهل المدينة من الأوس والخزرج ومن خلاله ذابت وتلاشت عداوات الماضي بين الحيين ، و كانت الرابطة الدينية هي الأساس الذي قامت عليه هذه الكيانات الجديدة وصولاً للاندماج الكامل في الكيان الأكبر كيان الأمة الإسلامية.كما ساعد الإسلام أيضا علي ظهور كيانات جديدة تجمع بين الانتماء العشائري والانتماء الديني، تمثلت في بروز كيان آل البيت الذي تمحور حول شخصية النبي صلى الله عليه وسلم ، وظل يلعب دورا بارزا في التاريخ الإسلامي بصفه عامه ، ساعده على ذلك ارتكازه على رابطة القرابة من النبي صلي الله عليه وسلم بكل ما يمثله كرمز ديني مقدس ، وبما له من مكانة سامية في نفوس وقلوب جميع المسلمين ، كما ساهم أيضا في استمرار مكانته المتميزة بروز شخصيات عديدة من بين أفراده ذات صفات علميه وأخلاقيه متميزة جعلته دائما محط أنظار جموع المسلمين، حتى أصبح هذا الكيان قاسما مشتركا في أبرز التحولات والتغيرات التي مر بها التاريخ الإسلامي بصفة عامة .ورغم هذا الدور الكبير والمكانة العظيمة لآل البيت فقد تعرضت دراسة تاريخ آل البيت لكثير من جوانب القصور والإهمال، حيث عالجت معظم كتابات المؤرخين والباحثين موضوع آل البيت معالجه عرضيه نمطية، تناولت جزئياً جانباً من الدور السياسي لآل البيت، مما أعطي صوره خاطئة عن المجتمع الإسلامي خاصة في صدر الإسلام حيث صورته مجتمعا منقسما إلي أحزاب متناحرة علي السلطة ، تنتشر فيه المكائد والمؤامرات، وقد تأثرت هذه الكتابات وبصورة واضحة في ذلك بالنظرة الإستشراقية للتاريخ الإسلامي ، كما اعتمدت في بنيتها البحثية على جانب من المرويات التاريخية غير المحققة ، وقد أدي ذلك إلى حدوث تشويه كبير لتاريخ هذا الجيل الفريد الذي أسس الإمبراطورية الإسلامية و أرسي القواعد الأولية لحضارتها ، وقد ساهم إهمال دراسة العلاقات الاجتماعية بين آل البيت والطبقة السياسية الحاكمة في صدر الإسلام من راشدين وأمويين في تكريس هذه الصورة النمطية المشوهة .ودراسة هذا الجانب الجوهري هو هدف هذه الدراسة بصفة عامة حتى نتمكن من رسم صورة حقيقية متكاملة للمجتمع الإسلامي، وتوضيح طبيعة العلاقة بين آل البيت والحلفاء الراشدين والأمويين، والبحث عن حقيقة ما يُثار عن وجود خلاف مستحكم بينهم.وهل كانت العلاقة بينهم مجرد سلسلة من الصراعات والتناحر على السلطة ؟ ، أم إن هناك جانبا أخر من العلاقات الاجتماعية في حاجة إلي الدراسة والبحث غفل عنه الباحثون، ولا يمكن لصورة هذه العلاقة أن تكتمل بدونه ؟وهل ظل آل البيت يمثلون المعارضة الدائمة للسلطة في زمانهم كما اعتقد البعض؟ أم أنهم كانوا في كثير من الأوقات جزءا من السلطة الحاكمة ، معاونين ومساندين لها ، وتولوا فيها المناصب وشاركوا في العمليات العسكرية تحت رايتها واندمجوا في مجتمعهم كسائر المسلمين؟كما تهدف الدراسة تفصيليا إلي بيان مصطلح آل البيت وتحديد المقصود به كطائفة محددة المعالم ذات كيان معروف له خصائصه المميزة ، وبيان أدوارهم المختلفة في مسانده الدعوة الإسلامية وحركه الفتوح ومواقفهم من تولي الخلفاء الراشدين ومن قيام الدولة الأموية.ومن أهم أهداف الدراسة أيضا بيان حقيقة ما يثار حول اضطهاد آل البيت واغتصابهم حقهم في الخلافة علي يد الخلفاء الراشدين والأمويين ، ومدي عمق الخلافات بينهم وبين الطبقة الحاكمة وطبيعتها وأثرها علي الروابط الاجتماعية بين آل البيت وهذه الطبقة، وتوضيح مظاهر العلاقات الاجتماعية بينهم من مصاهرات وتبادل للهدايا والعطايا والمشاركة في المناسبات الاجتماعية بين آل البيت والخلفاء الراشدين والأمويين .كما تهدف الدراسة كذلك إلى لفت الانتباه للمادة التاريخية الموجودة في كتب الأحاديث ودواوين السنة النبوية وشروحها ومؤلفات الفقهاء والمفسرين ، وهي في غالبيتها مصادر أصلية تحوي مادة في اعلي درجات التوثيق ، كما تحاول الدراسة الاستفادة منها في رسم الصورة المتكاملة لتاريخ آل البيت وعلاقتهم بالخلفاء الراشدين والأمويين ، وهي ماده غفل عنها كثير من الباحثين في الوقت الذي يعتمد فيه البعض علي مصادر ثانوية مثل كتب الأدب والمستشرقين . وتسعي الدراسة أيضا إلي محاولة رسم طريق واضح بين ركام هائل من الروايات التاريخية المتضاربة، التي وردت حول تاريخ آل البيت وحول علاقتهم مع الخلفاء علي أساس المنهج العلمي السليم، ومن خلال الاستفادة من منهج المحدثين في نقد الروايات التاريخية ، فقد صاغ المحدثون قواعد نقدية دقيقة ضمن منهج واسع عرف بمصطلح الحديث ، وبذلك سبقوا الآخرين في التنظير والتقعيد لكيفية التفاعل مع الروايات بفحصها ونقدها . هذا وتنقسم الدراسات التي تعرضت بالبحث لآل البيت إلى ثلاثة أقسام:القسم الأول: دراسات ركزت على شخصيات فردية بارزة من آل البيت ، مثل الدراسات العديدة حول علي بن أبي طالب أو الحسن أو الحسين أو جعفر الصادق ...الخ . وهى بذلك لا تعطي صورة متكاملة عن تاريخ آل البيت وعلاقاتهم ، كما أنها في غالبيتها يغلب عليها عدم الموضوعية حيث تتغلب علي الكاتب حالة عاطفية وجدانية تجاه شخصية معينة تدفعه للكتابة عنها.القسم الثاني: دراسات ركزت علي جوانب الفضائل والمناقب، وهي في غالبيتها دراسات دينية، إما فقهية بحتة تركزت حول حقوق آل البيت المالية وما يتعلق بها من أحكام كالخمس والصدقات أو ما يخصهم من أحكام فقهية كالكفاءة في الزواج، أو دراسات روحية تتركز حول مناقبهم وفضائلهم بصفة عامة.القسم الثالث: دراسات اختلط فيها الواقع بالخيال تقوم على التهويل والمبالغة سواء في جانب المحن التي تعرض لها آل البيت ، أو جانب القدرات والصفات التي كانوا يتميزون بها، وهذا هو نمط الدراسات الشيعية وبعض الدراسات الصوفية التي ترفع أئمة آل البيت إلي مقامات خيالية فوق مقامات الأنبياء والملائكة .ولذا فقد حاولت بهذه الدراسة جهدي سد الفراغ في هذا الجانب، والقيام بدراسة غير نمطية تراعي التوازن و الشمولية فتبحث في تاريخ آل البيت كوحدة واحدة ولا تركز على تاريخ الشخصيات الفردية، وتبحث كافة الجوانب السياسية والاجتماعية ولا تقتصر علي جانب الخصائص والمناقب أو الدور السياسي وحده، وتتسم بالواقعية بعيدا عن التهويل والخيال،وحرصت جهدي الاعتماد على الروايات التاريخية الثابتة بعد التحقق من صحة أسانيدها في رسم الصورة المتكاملة للموضوع ، حيث استفدت في ذلك من جهود المحققين في تحقيق كثير من المصادر التاريخية والحديثية وكان آخرها ما قام به الدكتور محمد طاهر البرزنجي وصبحي حلاق من تخريج وتحقيق لتاريخ الطبري، وكذا ما قام به الدكتور محمد بن صامل السلمي من تخريج وتحقيق لبعض أجزاء الطبقات الكبرى لابن سعد، بالإضافة إلى جهود العلامة محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله من تخريجات على كتب السنة، وكذا العلامة أحمد شاكر رحمه الله على المسند، فهي جهود ضخمة فيها غنية لمستغني، هذا بالإضافة إلى جهود الباحثين الذين اتبعوا هذا الأسلوب في بحوثهم ، ولم احد عن ذلك إلا قليلا لسد بعض الفجوات التاريخية وفي حالة ثبوت الأصل الذي تندرج تحته المرويات التاريخية .كما قمت بالرجوع إلى المصادر الشيعية المتنوعة لعدة أغراض منها الاستفادة من الشواهد التي تدعم أهداف البحث العامة ، وإثراء الأصول التي تثبت عندي بشواهد من هذه المصادر، أو الاستفادة من بعض التفاصيل النادرة الواردة فيها ، والخاصة بالحياة الاجتماعية لآل البيت ، أو مناقشة بعض الآراء التي تتعارض وتتصادم مع الأصول الثابتة في المصادر الأساسية العامة .وقد قمت بتقسيم هذه الدراسة إلي ثلاثة أبواب :الباب الأول: بعنوان آل البيت المفهوم والتكوين والخصائص، وينقسم بدوره إلى أربعة فصول هي:الفصل الأول عن تعريف آل البيت اللغوي والاصطلاحي، ويهدف إلى تحرير مصطلح آل البيت وتحديد مفهومه ، لأنه يحدد الأساس الذي سوف يسير عليه البحث خاصة في ظل تعدد تعريفات آل البيت وتنوعها.والفصل الثاني عن فروع آل البيت وعناصره التي يتكون منها كل فرع ، مشفوعا بادلته الخاصة التي تثبت دخوله ضمن مفهوم آل البيت .الفصل الثالث عن موقف آل البيت من الدعوة الإسلامية ، من سبق منهم إلى الإسلام ومن تأخر ، وهل كان موقفهم من الإسلام متسقا مع الموقف العام لقريش من الإسلام أم كان مختلفا ؟الفصل الثالث عن خصائص آل البيت التي على أساسها تحدد كيان آل البيت وتميز عن غيره من الكيانات في المجتمع الإسلامي مثل: تحريم الصدقة عليهم وحصولهم على سهم في الخمس وعدم وراثتهم للنبي صلى الله عليه وسلم.والباب الثاني : بعنوان العلاقات الاجتماعية بين آل البيت والخلفاء الراشدين ، وهو ينقسم بدوره إلى أربعة فصول هي:الفصل الأول عن علاقة آل البيت بابي بكر الصديق بداية من موقفهم من توليه منصب الخلافة وموقفهم خلال ولايته وعصره ، إلى الروابط الاجتماعية التي ربطت بين آل البيت وأبى بكر الصديق من علاقات مصاهرة و تبادل للعطايا والهدايا ومشاركات متبادلة في المناسبات الاجتماعية وثناء متبادل .الفصل الثاني عن علاقة آل البيت بعمر بن الخطاب بداية من موقفهم من توليه منصب الخلافة وموقفهم خلال ولايته وعصره ، إلى الروابط الاجتماعية التي ربطت بين آل البيت وعمر بن الخطاب من علاقات مصاهرة و تبادل للعطايا والهدايا ومشاركات متبادلة في المناسبات الاجتماعية وثناء متبادل .الفصل الثالث عن علاقة آل البيت بعثمان بن عفان بداية من موقفهم من توليه منصب الخلافة وموقفهم خلال ولايته وعصره ، إلى الروابط الاجتماعية التي ربطت بين آل البيت عثمان بن عفان من علاقات مصاهرة و تبادل للعطايا والهدايا ومشاركات متبادلة في المناسبات الاجتماعية وثناء متبادل .الفصل الرابع عن موقف آل البيت من التيار السبئي ، وقد أضفت هذا الفصل لسببين الأول: أن هذا التيار ينسب نفسه إلى آل البيت وينسب أفكاره إليهم ، ثانيا: أن هذا التيار هو أو من بادر بالطعن على الخلفاء الراشدين ، ناسبا ذلك إلى آل البيت ، كما عمد هذا التيار إلى بث روايات مشوهة للعلاقة بين آل البيت والخلفاء الراشدين ، فكان لزاما أن يتم بحث هذا الموضوع لبيان أصله وموقف آل البيت الحقيقي من هذا التيار وأفكاره .الباب الثالث: بعنوان العلاقة بين بني أمية وآل البيت ، وهو بدوره ينقسم إلى أربعة فصول وهي :الفصل الأول عن العلاقة بين بني أمية و بني هاشم قبل الإسلام، وجذور النسب المشتركة بين البيتين وما يربطهما روابط اجتماعية مختلفة كالصداقات والمصاهرات.الفصل الثاني عن بني أمية و الدعوة الإسلامية، والتعرف على موقفهم الحقيقي من الإسلام، وهل كان هناك نوع من العداء الخاص بين بني أمية والإسلام ؟ و دورهم في مساندة الدعوة الإسلامية وولاية الأعمال وحركة الفتوح في عهد النبوة والخلافة الراشدة .الفصل الثالث عن موقف آل البيت من قيام الدولة الأموية ، ومقدمات قيام الدولة الأموية والنزاع بين معاوية وعلي بن أبي طالب ، وكيف آل هذا النزاع إلي قيام الدولة الأموية ؟ ثم موقف آل البيت منها وهل كان معارضا علي طول الخط أم تنوع موقفهم منها بين التأييد والمعارضة حسب المواقف المختلفة ؟ ودورهم خلال العصر الأموي في الفتوحات وولاية الأعمال .الفصل الرابع عن الروابط الاجتماعية بين آل البيت وبني أمية كالمصاهرات العديدة والزيارات المتبادلة والصداقات والعطايا والثناء المتبادل بين آل البيت وبني أمية . ثم ختمت أخيرا بأهم النتائج التي توصلت لها من خلال هذه الدراسة ، كما زيلتها بعدد من الملاحق واتبعت ذلك بثبت للمصادر والمراجع التي رجعت إليها واستفدت منها في هذه الدراسة . واني لأتوجه إلى الله عز وجل بالدعاء أن يوفقني لما أنا بسبيله ، وان يجعل عملي خالصا لوجهه الكريم إنه نعم المولى ونعم النصير .