الطريق إلى أمريكافى عام 1998، نشرت فى الصحف الأمريكية الكبرى إعلانات تحتل صفحة كاملة، تحمل توقيع اعضاء فى الكونجرس على خطاب موجه الى الرئيس الامريكى يقول بالنص : " أن سياسة حكومتنا فى الشرق الأوسط التى تسعى لأن تكون غير متحيزة – بين العرب واسرائيل – هى سياسة خاطئة " .أى أن التحيزهو الصواب، أما ان تكون منصفا، عادلا، غير ملتزم إلا...
قراءة الكل
الطريق إلى أمريكافى عام 1998، نشرت فى الصحف الأمريكية الكبرى إعلانات تحتل صفحة كاملة، تحمل توقيع اعضاء فى الكونجرس على خطاب موجه الى الرئيس الامريكى يقول بالنص : " أن سياسة حكومتنا فى الشرق الأوسط التى تسعى لأن تكون غير متحيزة – بين العرب واسرائيل – هى سياسة خاطئة " .أى أن التحيزهو الصواب، أما ان تكون منصفا، عادلا، غير ملتزم إلا بما تراه صحيحا، فهو الخطأ .ولعنا نذكر الكلمة الشهيرة للمبعوث الخاص الذى أوفده الرئيس نيكسون الى المنطقة بعد انتخابه عام 1969، وكان حاكم ولايه بنسلفانيا ويليام سكرانتون الذى قال للصحفيين : ان إدارة الرئيس نيكسون سوف تتبع سياسة غير متحيزة بين العرب واسرائيل، وأنهى سكرانتون مهمته فى المنطقة وعاد إلى بلاده، ليبتلعه فى الحال النسيان، وتختفى أخباره من الوجود، جزاء نطقه بكلمة عدم التحيز .ولا يخفى على أحد أن الدور المؤثر لليهود الأمريكيين كان من الأسباب الرئيسية لهذا القهر السياسى للمنطق الذى تقوم عليه سياسة أية دولة، وهو ان تعمل حسبما يحقق مصالحها الإستراتيجية والحيوية أولا، وهو مالا يتوفر لها إلا اذا التزمت بقاعدة عدم التحيز، خاصة " وأن العلاقة الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، لم تقم أبدا على تطابق المصالح فى مواجهة تهديد واحد " .. وهذا وصف كان قد استخدمه الكاتب والمفكر الأمريكى المعروف آدم جارفنكل، واستخدمه غيره من كبار المختصين وخبراء السياسة الأمريكية فى الشرق الأوسط، فقد تكون هناك أهداف مشتركة لهما فى المنطقة، لكن هذا لا يمنع تضارب المصالح واختلافها، وبالتالى السياسة التى تخدم هذه المصالح وتحقق هذه الأهداف .ومعلوم ان وصول اليهود الأمريكيين الى هذه السطوة على عملية صناعة قرار السياسة الخارجية، بدأت بتخطيط منظم بالغ الدقة بعد العدوان الثلاثى على مصر عام 1956، وعلى وجه التحديد فى أعقاب الإنذار الذى وجهه الرئيس دوايت أيزنهاور فى عام 1957 إلى إسرائيل بتوقيع عقوبات على إسرائيل إذا لم تنسحب من سيناء، وخضعت إسرائيل فى الحال، ونزع بن جوريون الخريطة الجديدة التى علقها على جدران الكنيست التى ظهرت فيها سيناء بكاملها جزءا من أرض إسرائيل، وضمن حدودها . وقام هذا التخطيط على دراسة النظام السياسى للولايات المتحدة، وحصر كل المنافذ المسموح بالدخول منها قانونا، لخلق مواقع تأثير على صناعة القرار، بالأضافة الى التركيز على وصول أبناء اليهود بعد الدراسة والتخرج، الى العمل فى المؤسسات، والحياة العامة، فى مواقع لها شهرة وذيوع صيت، مثل مجالات الفن والصحافة والإعلام والأدب، والنشر، بالاضافة طبعا الى المؤسسات الاقتصادية والبنوك، وفوق هذا كله مراكز البحوث والفكر السياسى Think Tanks التى تعتبر إحدى الخصائص المميزة للولايات المتحدة، والتى وهى فى الحقيقة مصانع السياسة الخارجية . ثم ما نعرفه جميعا من رصد الملايين لتمويل الحملات الإنتخابية للمرشحين للكونجرس، وفق تفاهم مؤكد على ان يسدد المرشح التكلفة بعد فوزه، بالتصويت "المتحيز " لأسرائيل عندما يعرض على الكونجرس أى قرار تكون اسرائيل طرفا فيه .هذا كله معروف، لكن المعروف كذلك أن المجتمع الأمريكى مجتمع مفتوح، والساحة فيه واسعة شاسعة فيها بالنقاش، وطرح وجهات النظر، وتقابل المواقف والحجج، وتستطيع أية جماعة أن تدخل وتؤثر مثلها مثل الآخرين، بشرط أن يكون وجودها وعملها، مؤسسا على خطة وتنظيم، تسبقها دراسة وفهم واستيعاب بطبيعة عمل النظام السياسى الداخلى فى الولايات المتحدة، ولو قلنا أن هذا هو الطريق للعرب ليكونوا مؤثرين، فإن هذه المهمة لا تستطيعها دولة بمفردها، بل هى جهد يحتاج جهود كل الدول العربية، وأن تضع جميعا وراء هذه المهمة، ما تحتاجه من جهد وإمكانات وطاقات بشرية ومادية، فإن ساحة صناعة السياسة الخارجية ليست حصنا محاطا بأسوار، عالية، وأبوابه موصدة من الداخل، بأقفال ومزاليج حديدية، لكنها ملتقى يشترط فيمن يدخله أن يملك فكرا، وخطة، واردة . ومن خلال سنوات من رصد الوضع الأمريكى، وحوارات متصلة مع شخصيات أمريكية مختصة ومهتمة بالشرق الأوسط، وبالعلاقة العربية الأمريكية كانت تبرز من خلال هذه الحوارات، مؤشرات الى مفاتيح يمكن ان تخدم الدور العربى فى هذا الإتجاه، منها على سبيل المثال : امكانات إقامة تنسق وتفاهم أو ائتلاف مع بعض أشكال اللوبى النشيط والفاعل، والتى تجمعنا معهم كعرب عناصر التقاء، وأهداف مشتركة حول قضايا بعينها – هم يحتاجون التأييد العربى فيها، وانت تحتاج أصواتهم فى الكونجرس كلوبى، بالإضافة الى ما يحمله بعضها من تعاطف تاريخى وتقليدى مع القضايا العربية، أو على الأقل تتجرد مواقفهم من علة " التحيز " مثل لوبى : اليونانيون الأمريكيون، أو قطاعات كبيرة من الناطقين بالأسبانية المهاجرين أصلا من أمريكا اللاتينية، أو الأمريكيين الأفارقة، وأذكر على سبيل المثال لقاء طويلا لى مع رئيس الجالية الألبانية الأمريكية، والذى استطاع أن يحشد نصف مليون من جاليته فى اطار قوة ضغط من أجل المسلمين فى كوسوفو، وهم من أصول البانية، أثناء حرب يوجوسلافيا ضد كوسوفو .وكان قد جاء يطلب أن ننقل عن طريق " الأهرام "، نداء إلى القيادات الإسلامية فى مصر والدول العربية، لمضاعفة تأييدهم لأبناء كوسوفو فى المحنة التى يتعرضون لها، من تطهير جماعى، وتشريد، وقتل . والمعروف أن مختلف أشكال " اللوبى " التى أشرت إليها لكل منها تأثير على عضو الكونجرس فى الدوائر التى يتركزون فيها، والذى يمثلهم تشريعيا، المهم العمل المشترك والمنظم والمستمر .* إقامة علاقة اتصال منظمة ودائمة مع المؤسسات والمعاهد والمراكز الضالعة فى صناعة السياسة الخارجية، خاصة تلك المعروف عنها إما التعاطف مع وجهة النظر العربية، أو الملتزمة " بعدم التحيز " بين العرب وإسرائيل، والتى تبنى مواقفها على أساس تعبير عن مصالح الولايات المتحدة أولا، ودون الخضوع لحسابات التأثير المعروف لجماعات الضغط اليهودية . وهذه الجهات متعددة ومعروفة بعضها من اليهود الذين يؤمنون بأن السياسة التى تسير عليها حكومة شارون ستؤدى فى النهاية إلى كارثة على إسرائيل وشعبها .وهناك إيضا منظمات عاملة فى مجالات حقوق الأنسان، وكنائس أمريكية محضة تتخذ مواقف إستنادا إلى الحقائق المجردة التى يقضى بها الدين والأخلاق والسلوك الأنسانى . * وتظل مراكز البحوث والفكر السياسى Thin Tankes على رأس أهم مواقع التأثير، فالحوارات والندوات التى تقيمها، يشهدها كثيرون من المهتمين من وزارات الخارجية، والدفاع والعدل، والمخابرات المركزية، ومجلس الأمن القومى بالبيت الأبيض، ومعاونوا أعضاء الكونجرس المتخصصون بالسياسة الخارجية، وصحفيون وكتاب، ورجال أعمال، وأكاديميون، وهؤلاء جميعا لابد وأن ينقلوا الانطباع الذى يخرجون به، مواقعهم الوظيفية على المستويات التنفيذية، أو غير الرسمية.والصحيح أن شخصيات عربية يتم استضافتها أحيانا فى هذه المراكز، وتتاح لها الفرصة، لمقارعة الحجة بالحجة، وعرض وجهة النظر العربية، وتحييد الآثر الذى يتركه أصحاب نظرية التحيز، لكن هذا الدور يظل محدودا والمشاركون فيه عددهم قليل، ويحتاج أن يتم ممارسته وفق خطة ونظام، يحقق الوجود وجهة النظر العربية فى هذه المراكز مساحة أكبر وبصورة مفصلة ومتكررة .الاستفادة من وجهات النظر التى تعلنها شخصيات أمريكية مرموقة لها ثقلها فى بلدها، وأن نساعد على وصول جهات نظرهم إلى أوسع نطاق ممكن، داخل الدوائر المحلية الأوسع مدى فى بلادهم – فى الدوائر الانتخابية، والتجمعات الاجتماعية المنتشرة محليا فى الولايات المتحدة والمقاطعات والمدن الأمريكية . وإننى أعطى مجرد نماذج لمثل هذه الشخصيات ومنهم جيمس شلينزنجر، ولورانس إيجلبرجر، وبرنت سكوكرفت، وهنرى سيجمان، وادوارد جيريجيان، وويليام باف وهؤلاء وغيرهم يجاهدون إلى اليوم بآرائهم " غير المتحيزة " فى ومقالات بالصحف، وبرامج الحوارات التليفزيونية، والندوات والؤتمرات، ومراكز البحوث .* دور الجاليات الأمريكية العربية الضالعة فى النشاط العام الأمريكى، ومنهم شخصيات لها دور وحضور فى كل من الحزبين الجمهورى والديمقراطى، وفى دوائرهم الانتخابية، ولهم دور ملموس فى مجتمعاتهم لأن إهتمامهم ليس قضيته الوحيدة الشرق الوسط والنزاع العربى الاسرائيلى، بل انهم يلعبون دورا مهما بالنسبة للقضايا التقليدية واليومية للمواطن الأمريكى العادى باعتبارهم مواطنين يحملون نفس الهموم التى يحملها أى مواطن آخر . ولن يكون دورهم بالنسبة للقضايا العربية إستثناء أو شيئا غير مألوف، فهذا طابع عمل جميع الجاليات الأمريكية المقبلة أصلا من بلاد أخرى، وكلهم يظل له دوره الآخر بالنسبة لقضايا الوطن الأم، بحكم الرابطة والانتماء والجذور الثقافية.ونحن لنا عند الولايات المتحدة مطلب عادل وبسيط هو عدم التحيز، والتوازن فى مباشرة علاقاتها بالجانبين العربى والاسرائيلى، فالعرب أيضا تربطهم بالولايات المتحدة صداقة ومصالح، وهذا المطلب ينسجم تماما مع منطق الأشياء، ومع قواعد العدل والانصاف، والمبادئ المستقرة عرفا وقانونا وتعاقدا للعلاقات المتبادلة، وللسياسة الخارجية . بل هذا المطلب من شأنه فى المقام الأول أن يعزز من أواصر هذه العلاقة، ويثبتها، ويدعم وضع الولايات المتحدة فى المنطقة، ويصون مصالحها، ويحمى مصداقيتها، خاصة فى نظر شعوب المنطقة. لكن مطلبنا – فى ظل آلية عمل النظام السياسى الأمريكى – لا يكفى أن يظل مجرد نداء أو مناشدة، فهذا أسلوب لا تقع منه . لابد ان يكمل مطلبنا خطة عمل تستفيد من الأبواب المفتوحة أمامنا مثلما هى مفتوحة لغيرنا، والمسموح بها بحكم القانون والدستور الأمريكية، وبهذه الخطة يمكن للعرب أن يؤدوا دورا منظما، منسقا فاعلا، إيجابيا، مادامت المفاتيح موجودة للدخول، والحركة، والعمل، وأن يطرحوا وجهة نظرهم، ويواجهوا الأطراف التى جهزت وخططت منذ سنوات طويلة، ووصلت بتأثيرها وسطوتها فى صناعة السياسة الخارجية الى المدى الذى نراه ولا نكف عن الشكوى منه عن المدى الذى صار فيه التحيز فضيلة، بينما العدل والانصاف وعدم التحيز خطأ.