الكتاب من ترجمة مهى حسن.هذه قصة رجل ولد في أحضان الصهيونية وهو يكافح للخروج منها بصورة تدريجية ومتصاعدة. الخروج من أحضان الصهيونية رحلة فكرية وعقائدية، إضافة إلى كونها سياسية. السؤال الذي طرح على إيلان بابيه: متى وكيف تغير مفهومه حول فلسطين و«إسرائيل»؟ وقد اكتشف في نهاية رحلته وبعد تحرره، أن الصهيونية فلسفة عنصرية شريرة تتناول ا...
قراءة الكل
الكتاب من ترجمة مهى حسن.هذه قصة رجل ولد في أحضان الصهيونية وهو يكافح للخروج منها بصورة تدريجية ومتصاعدة. الخروج من أحضان الصهيونية رحلة فكرية وعقائدية، إضافة إلى كونها سياسية. السؤال الذي طرح على إيلان بابيه: متى وكيف تغير مفهومه حول فلسطين و«إسرائيل»؟ وقد اكتشف في نهاية رحلته وبعد تحرره، أن الصهيونية فلسفة عنصرية شريرة تتناول الأخلاق والحياة.الكتابة عن الذات تجربة محرجة ومرهقة في آن. ويكمن السبب الوحيد المقنع للانكباب على مشروع كهذا، في قناعة المرء، بأن حكايةً شخصية بإمكانها أن تعكس صورةً وسياقًا أكثر اتساعًا. بالتالي ينبغي التأكيد على أن الزاوية الشخصية أو المنظور الشخصي في واقعٍ ما، بإمكانهما الإضاءة على هذا الواقع على نحو أفضل وجعْله في متناول الآخرين. الصورة الأوسع هنا هو تاريخ الصهيونية في إسرائيل/فلسطين: أصولها الماضية، وتأثيرها الحالي في حياة الفلسطينيين واليهود في إسرائيل وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي مواقع أخرى.قررت كتابة هذه الرواية الشخصية لتكون جزءًا من محاولة عامة أقوم بها، ويقوم بها آخرون، وتهدف إلى تحليل حكاية فلسطين الحديثة. لقد أدركتُ منذ وقت طويل، باعتباري مؤرخًا وناشطًا في مجال السلام، أن حكايتي الشخصية ترمز إلى حقيقة أشمل وتمثِّلها. وعندما كنت أتوجَّه إلى الجمهور في الغرب بشأن قضية فلسطين، كنت أشعر أن بالإمكان شرح وضعٍ ما على نحو أكثر شمولاً من خلال تاريخ شخصي. وكلّي أمل أن يتمكَّن هذا الكتاب من تحقيق الهدف المرجو. هذه قصة شخص ولد في أحضان الصهيونية وهو يكافح للخروج منها بصورة تدريجية متصاعدة. الخروج من أحضان الصهيونية رحلة فكرية وعقائدية، إضافة إلى كونها بطبيعة الحال، سياسية. لكنها إضافة إلى ذلك تنطوي على اضطرابات عاطفية وغربة اجتماعية تختلف طبيعتها باختلاف الأشخاص.لقد اكتشفت خلال مسار الكتابة عن القضية الفلسطينية، اعتبارًا من أواخر السبعينيات وحتى الآن، أن السؤال الوحيد والأصعب الذي كان يتعين عليَّ الإجابة عليه خلال جلسات الحوار العادية، وهو السؤال الذي كان يُطرَح في كل حدث شاركت به، هو: «متى وكيف تغيَّر مفهومك حول الواقع الفلسطيني والإسرائيلي»؟ ولم يحدث أن كانت إجابتي على هذا السؤال بالمقنعة. كان جوابي المفضَّل، الذي كنت في البداية أردِّده من باب التندر، هو أن عليَّ وضع كتاب حول هذا الموضوع. ويتعين علي الآن القول إن ذلك الجواب كان الرد الجدي الوحيد الممكن، لأن مجال الكتاب يسمح لي أيضًا بالإجابة عن سؤال أهم بكثير، بالإضافة إلى السؤال الشخصي، وهو: هل بإمكان أشخاص آخرين في إسرائيل تغيير آرائهم على نحو مماثل؟ أم أنهم سيظلون متمترسين داخل مواقفهم بما ينتفي معه أي أمل بإحلال السلام والتصالح داخل بلدهم؟يركِّز هذا الكتاب على الكيفية التي يجري بها تشريب الأفكار والمبادئ وإلغاؤها داخل النفوس، وهي عملية لا يمكن الاستهانة بقوة فاعليتها. العقيدة الفكرية الإسرائيلية هي عقيدة فريدة وشاملة، وأنا هنا أقدِّم رأيًا من الداخل. لا ريب في أن هناك أنظمة مشابهة، وإن لم تكن بالضرورة مطابقة، في أمكنة أخرى. والمثال الأقرب هنا مجتمع البيض في جنوب أفريقيا في ظل نظام الفصل العنصري. ففي جنوب أفريقيا أيضًا، لم يتحقَّق الالتزام بالعقيدة السائدة عن طريق القهر والترويع، أو من خلال جهود منظمة بإحكام. وفي كلتا الحالتين، يبدو تبيان مستوى الطاعة والخضوع لقيمٍ ومبادئ عَقْدِية، أسهل بكثير من شرح سبب استمرار تلك الأفكار والمبادئ طوال تلك الفترات الطويلة.أنا هنا أسعى لكشف القوة الساحقة للتلقين (الطوعي) من خلال محاولة ناجحة، وإن تكن طويلة الأمد، لتخليص نفسي من عملية التلقين هذه. إنها قصة رحلة تنطوي على أكثر من محطة، ولكل محطة إسهامها في عملية التغيير والانعتاق من المنظور الصهيوني. لم أكن الشخص الوحيد الذي أخذ على عاتقه القيام بتلك الرحلة، ولكن ليس هناك سوى عدد محدود من هؤلاء. إن الدور الذي نقوم به في المجتمع الذي ننتمي إليه والمصير الذي ينتظرنا بسبب قيامنا به لهما، إشارة إلى أن تصوير إسرائيل بأنها الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط أمر ينبغي التصدي له بحزم.وهنا أود التنويه بأن فرادة الرحلة التي أقوم بها تكمن في نقطة انطلاقها لا في وجهتها النهائية. إن العديد من المنشقين ومناهضي الصهيونية الجسورين هم أبناء عائلات وخلفيات بإمكانها تفسير رحلة تخلّيهم عن الفكر الصهيوني في نهاية المطاف. بدأتْ رحلتي في مرحلة متأخرة في حياتي، بعد أن قضيت فترة شباب أنهل فيها من الفكر الصهيوني وثقافته التقليدية لغاية عام 1982. بعد أن أنهيت دراستي الثانوية، خدمتُ في الجيش الإسرائيلي جنديًا نظاميًا في مرتفعات الجولان وفي حرب عام 1973. وشأني شأن العديد من مواطنيّ، أصبتُ بصدمة إزاء الهجوم المفاجئ، كما شعرت بخيبة الأمل في قيادتي وقررت أن أخدم لستة أشهر إضافية في الجيش.بعد ذلك، وكما هي العادة، تابعت دراستي وبدأت حياتي المهنية في الجامعة. وفي ما يخص حياتي السياسية، كنت أنتمي لحزب صهيوني يساري، وكان ذلك يعني آنذاك إيجاد تسوية جغرافية وعملية مع الأردن، بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة. بعد قدومي العام 1981 إلى المملكة المتحدة للإعداد لدرجة الدكتوراه في جامعة أُكسفُرد، كنت لا أزال راغبًا في عرض وجهة النظر الصهيونية في مناظرة جرت في منظمة «أصدقاء إسرائيل العُمَّاليين ـLabour Friends of Israel» في البرلمان. لكن التغيير حصل بأسرع مما تصورت.خلال النصف الأول من العام 1982، أسهمتُ بإنشاء الفرع البريطاني من حركة «السلام الآن»، وهي مجموعة إسرائيلية يسارية كانت تنظّم حملات تدعو لإجراء مفاوضات سلام مع منظمة التحرير الفلسطينية وإنشاء دولة فلسطينية مستقلة. في ما بعد، تم إيقاف عضويتي لأنني قبلت دعوة من مجلة (سبكتيتر/Spectator) للمشاركة في مناظرة في مجلس العموم مع ممثل «منظمة التحرير الفلسطينية» في لندن، علي مزاوي، ومع الأكاديمية الدكتورة غادة كرمي، التي أصبحت لاحقًا صديقة لي وزميلتي لسنوات. ظهرتْ تلك المناظرة على الصفحة الأولى لصحيفة «هآرتس»، وهي إحدى الصحف اليومية الرئيسة في إسرائيل، وكلفني ذلك دوري كممثل لـ«حركة السلام الآن»، في المملكة المتحدة وفي إيرلندة الشمالية.كان العام 1982، أيضًا، هو العام الذي بدأتُ فيه الرحلة التي سأصفها في هذا الكتاب، خلال الغزو الإسرائيلي للبنان وبعده الذي جرى في صيف ذلك العام. كانت نقطة التحول دعوة تلقيتها من السفارة الإسرائيلية في لندن للحديث في اجتماع لتأييد إسرائيل في شمالي بريطانيا. شرح لي الناطق الرسمي للسفارة أن السفير، شلومو أرغوف، كان طريح الفراش جراء محاولة اغتياله وأن من الخطر البالغ إرسال نائبه. جاءت لحظة الصحوة، فالأمر لم يكن يقتصر على الرغبة في التضحية بي في حال حصول هجوم آخر، بل يتعداه إلى الافتراض بأنني لم تكن لدي أي تحفظات أو اعتراضات على الغزو. واعتبارًا من تلك اللحظة، بدأتُ رحلةً لا عودة منها. ورغم كل سطوة القبضة الصهيونية على فكر الفرد وحياته، فإن اليهودي الإسرائيلي، وفي اللحظة التي ينتزع نفسه فيها من تلك القبضة، لا يعود قادرًا على فهْم كيفية وقوعه أسير شركها أو منطقها أو رؤيتها. يمثِّل هذا الكتاب محاولة متواضعة لكشف غوامض لغز عقيدة فكرية كنت أعدها يومًا ما التعبيرَ المطلق عن الإنسانية الأصيلة، لكنني، بعد أن تحررتُ منها، اكتشفتُ أنها فلسفة عنصرية شريرة تتناول الأخلاق والحياة.«أشباح النكبة»باعتباري طفلاً يهوديًا نشأ في حيفا في مطلع خمسينيات القرن العشرين، لم تواجهني كلمة «النكبة» العربية، ولم أكن حتى لأعي معنى هذا التعبير. ظهرتْ الكلمة في حياتي لأول مرة خلال مرحلة الدراسة الثانوية. كان في صفي آنذاك طالبان فلسطينيان يحملان التبعية الإسرائيلية، وكنا نشارك جميعًا في جولات جماعية برفقة دليل نجوب خلالها أرجاء حيفا ومحيطها. في تلك الأيام كانت الشواهد على حيفا القديمة لا تزال قائمة في المدينة القديمة: أبنية جميلة، بقايا سوق مسقوف دمَّره الإسرائيليون أثناء حرب 1948، ومساجد وكنائس.كانت تلك الأطلال تشهد بتاريخ المدينة المجيد. اندثر العديد من تلك الأبنية، بعد أن أتت عليها جرافات محافظٍ طموح كان يسعى لمحو أي معالم حضرية قد تشي بالماضي العربي للمدينة. ولكن في تلك الأيام، كانت هناك بضعة بيوت عربية محشورة بين الأبنية الاسمنتية الحديثة. كان الأدلاء في جولاتنا المدرسية يشيرون إلى تلك البيوت باسم «خربة الشيخ»، وهو تعبير مبهم يُستخدَم للإشارة إلى منزل عربي يعود إلى فترة غير معروفة. غمغم الطالبان الفلسطينيان بصوت خفيض بأن تلك البيوت هي ما تبقى بعد نكبة عام 1948، لكنهما لم يجرؤا على مخالفة ما يقوله مدرّسُهما، ولم يستفيضا في شرح معنى قولهما.لم أكن في مطلع شبابي شديد الاهتمام بالتاريخ. تعلمتُ العربية الفصحى في المدرسة، في مقرَّر «الشرقيات»، كما كان يُسمى، وكان يُعِدُّ الطلابَ للعمل في جهاز الاستخبارات التابع للجيش الإسرائيلي. أمضيت سنوات الخدمة العسكرية الإلزامية الثلاث، التي شهدت حرب العام 1973، في جهاز الاستخبارات، وقد استفدتُ من تلك الفترة إذ تمكَّنت خلالها من صقل لغتي العربية، لكنها كانت أيضًا فترة خطرة، إذا صدقنا ما كان يُقال لنا عن «العدو».خلال فترة الخدمة العسكرية ودراستي الجامعية في القدس، في قسم تاريخ الشرق الأوسط، كنت صهيونيًا يساريًا، إن جاز التعبير، وكنت أعمل في «الكنيست» مستشارًا متطوعًا للحزب الصهيوني اليساري، «المابام». كنت أنسّق أنشطة الحزب في الجامعة وأقدِّم الاستشارات لممثلي الحزب في مجلس النواب حول «الشؤون العربية». كنت أرى الواقع من حولي من منظور صهيوني يساري، يسمح بنقد ليبرالي تعددي لأيديولوجية دولة إسرائيل، لكنه في الوقت نفسه يسوِّغ مبادئها الأساس. المنطق السائد كان يقول: إن ذلك النقد يظل سليمًا وبنّاءً، ما دام يضمن نسخة عن الصهيونية تكون أكثر شرعية من الوجهة المناقبية وأكثر صحة من الوجهة العَقِدية. لكنني لم أكتشف مدى خطئي إلا بعد أن غادرت البلاد العام 1979 لأباشر التحضير لدرجة الدكتوراه في جامعة «أُكسفُرد».