كانت آنا غريغوريفنا تعمل مع دستويفسكي على اختزال روايته «المقامر» ومن هنا بدأت حكاية حب بينهما، في كتاب «مذكرات آنا غريغوريفنا» (دار المدى، ترجمة خيري الضامن).ذكرت غريغوريفنا أنها لم تفكر يوما بكتابة مذكراتها فكان كل ما يشغلها مؤلفات الراحل زوجها، لكن تدهور صحتها دفعها لأن تعهد لآخرين بتولي مهمة نشر المؤلفات، ثم انزوت إلى العاصم...
قراءة الكل
كانت آنا غريغوريفنا تعمل مع دستويفسكي على اختزال روايته «المقامر» ومن هنا بدأت حكاية حب بينهما، في كتاب «مذكرات آنا غريغوريفنا» (دار المدى، ترجمة خيري الضامن).ذكرت غريغوريفنا أنها لم تفكر يوما بكتابة مذكراتها فكان كل ما يشغلها مؤلفات الراحل زوجها، لكن تدهور صحتها دفعها لأن تعهد لآخرين بتولي مهمة نشر المؤلفات، ثم انزوت إلى العاصمة بطرسبورغ لتعيش في وحدة مطبقة وهنا كان لابد من ملء أوقات فراغها وإلا لن يطول بها العمر، ومن خلال إعادة قراءة يومياتها ويوميات زوجها قامت غريغوريفنا بإعداد هذه المذكرات، ذاكرةً بأنه كانت لكنيسة القديس الكسندر نيفسكي في بطرسبورغ منزلة خاصة في نفس غريغوريفنا لأن مقبرتها تحنو على رفات دستويفسكي.وهنا تبرهن غريغوريفنا على مدى حبها لزوجها، ثم بدأت تروي كيف تعرفت إليه حين دخلت دورة اختزال بإصرار من أبويها لأنها لم تكمل دراستها، وهنا أبلغها أستاذها في الدورة أن الكاتب دستويفسكي يبحث عن شخص يجيد الاختزال ليملي عليه روايته الجديدة «المقامر»، ذاكرة أن قلبها قد خفق فرحاً لأنها كجميع فتيات الستينات تنشد الاستقلال وتبحث عن عمل يجعلها تعتمد على نفسها وكانت فرصة مناسبة للتعرف إلى كاتب من أحب الكتاب لوالدها، وذكرت أنها كانت معجبة به جداً وخصوصاً عندما كانت تقرأ رواية «مذكرات من بيت الأموات».تذكر أنها كانت تظن أن دستويفسكي ليس شيخاً كابياً منطوياً على نفسه كما يظنه الآخرون، لكنها بمجرد أن قابلته حتى زالت هذه المفاهيم، وشعرت حينها بأنه أقرب إلى الخامسة والثلاثين من عمره «تحدث لي عن تفاصيل حياته الشخصية وهذا ما جعلني أستغرب كثيراً» تقول:تحاول غريغوريفنا هنا وصف دستويفسكي بأنه لا يعكس ما يظنه الآخرون عنه، فهو لطيف وتلقائي يتعامل مع الآخر وكأنه يعرفه منذ زمن من دون قيود أو شروط وهذا ما جعلها تميل إليه متناسيةً فارق السن، إلا أن الكاتب كان يشعر بوحدة قاتلة بسبب وفاة زوجته الأولى ووفاة شقيقه الذي رحل تاركاً خلفه الكثير من الديون.تذكر غريغوريفنا أنها بعد الانتهاء من رواية دستويفسكي وبعد أن قبضت أجورها أصبح الكاتب صديقاً لعائلتها وقد دعته للتعرف إلى عائلتها كما أن والدة آنا أُعجبت بدستويفسكي، وبعدها عرض عليها العمل في رواية «الجريمة والعقاب»، وقد دعاها بحجة دراسة شروط الرواية، إلا أنه كان مرتبكاً وقد طلبها للزواج هذه المرة، وهذا الخبر كان مصدر سعادة لوالدة غريغوريفنا.يبدو أن دستويفسكي الكاتب رقيق القلب وهذا ما وصفته زوجته حين تحدثت عن مخاوفه التي ذكرها لها قائلاً: «كنت قلقاً أن ترفضيني أو تقولي أنك تحبين شخصاً آخر، لكان ذلك جواباً قاسياً عليّ فأنا أُعاني وحدة قاتلة، كما أني كنت أريد على الأقل أن أحتفظ بصداقتك».قدمت آنا غريغوريفنا في مذكراتها فكرة وافية عن دستويفسكي الإنسان وكيف أنهما عاشا حياة صعبة مملوءة بالأحداث والصعوبات ورغم ذلك عاشا حياة مفعمة بالمشاعر النبيلة والعميقة كما تتحدث عن مشاريعه الروائية وأسفاره خارج روسيا وتعرض علاقته بأدباء عصره ونقاده ومنهم تورغينيف وتولستوي وبيلينسكي وبوشكين وصولاً إلى اللحظات الأخيرة في حياته.