"يروى أن أميراً ألمانياً من العصور الوسطى، هيأ لنفسه ولمدعويه شهداً فريداً: في قبو قصره المنيف الفخم، كان قد ربى دباًَ شرساً، فأضحى مع الأيام على شيء من الألفة المحمودة المقبولة، فأتى بعد الغداء بالدب المتوحش المدرب قليلاً على الألفة، وقاده إلى الساحة الخارجية القوراء خادم، ووضع أمامه قصعة مليئة بالعسل المحمى حتى الغليان، فجاء ه...
قراءة الكل
"يروى أن أميراً ألمانياً من العصور الوسطى، هيأ لنفسه ولمدعويه شهداً فريداً: في قبو قصره المنيف الفخم، كان قد ربى دباًَ شرساً، فأضحى مع الأيام على شيء من الألفة المحمودة المقبولة، فأتى بعد الغداء بالدب المتوحش المدرب قليلاً على الألفة، وقاده إلى الساحة الخارجية القوراء خادم، ووضع أمامه قصعة مليئة بالعسل المحمى حتى الغليان، فجاء هذا المشهد، نظراً إلى عوائد تلك العصور المخشوشنة، على جانب من الفظاظة والقسوة، فما إن اشتم الدب رائحة العسل والذي يحب العسل كثيراً- حتى هجم على القصعة بنهم شديد، وطفق يلعق من ذلك العسل الطيب الحامي، ويزأر ويعوي صارخاً من الألم، ويتراجع خطوة مكشراً، ثم يعود فيكر كرته الأولى... وظل مدة ساعة بين كر وفر ولعق وصراخ، إلى أن خمدت أنفاسه تحت وطأة الاحتراق وقضي عليه... وهكذا نحن البشر، نعيد هذا المشهد إلى الأذهان والمخيلة، عندما ندنو من الخطيئة والرذيلة، ونحن على يقين أن عسل هذه اللذة المحرمة والعابرة، سوف يقضي على نفسنا، التي هي أثمن ما لدينا في هذا الوجود، وسوف يذيب قوانا الجسدية شيئاً فشيئاً، كما تذيب النار الشمعة قطرة قطرة حتى النهاية".هذه القصة هي واحدة من عشرات القصص التأملية التي يحوي هذا الكتاب نصها والتي جاءت في إطار من القصص والأمثال والنوادر المتلاحقة في تسلسل منطقي، المقتبسة عن التاريخ والكتاب والمقدس في معظمها، تحمل على التأمل والاعتبار واستقاء الدروس المقيدة لنفوسنا.