إن شخصية النبي محمدe قد حظيت باهتمام الباحثين قديماً وحديثاً لما فيها ميزات وخصائص تصلح أن تكون دستوراً لهذه الأمة بعد القرآن الكريم، وبخاصة أن شخصيته كانت تطبيقاً عملياً للقرآن الكريم.وقد تناولت في هذا الكتيب أحد جوانب هذه الشخصية ألا وهو : شخصية النبي محمدe العلمية، وذلك لما لهذا الجانب من أثر بالغ في نهضة الأمة العلمية والثقا...
قراءة الكل
إن شخصية النبي محمدe قد حظيت باهتمام الباحثين قديماً وحديثاً لما فيها ميزات وخصائص تصلح أن تكون دستوراً لهذه الأمة بعد القرآن الكريم، وبخاصة أن شخصيته كانت تطبيقاً عملياً للقرآن الكريم.وقد تناولت في هذا الكتيب أحد جوانب هذه الشخصية ألا وهو : شخصية النبي محمدe العلمية، وذلك لما لهذا الجانب من أثر بالغ في نهضة الأمة العلمية والثقافية، فشخصية النبيe التعليمية؛ شخصية فريدة من نوعها، حيرت العلماء والباحثين على مدى العصور والأزمان، إذ كيف لرجل أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة أن ينتج جيلاً مثقفا ثقافة عالية -في أقل من ربع قرن- تعجز أكبر الجامعات والمؤسسات الثقافية والتعليمية عن إنتاج مثله، بل إن هذه المؤسسات لم تجد بدا من أن تتبنى كثير ا من الأساليب النبوية في التعليم.لكن هذه الحيرة تتلاشى ويزول العجب إذا عرفنا أن الله جل وعلا قد اختار النبي e ليكون معلما للبشرية جمعاء، قال تعالى: )وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ( [سـبأ:28] وهو الذي هداه واجتباه، وعلمه الكتاب والحكمة، قال تعالى: ) كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ( [البقرة:151]، وقد أنعم الله على أمة الإسلام ببعثة النبي e وأَكْرِم بها من نعمة أخرجت الناس من الظلمات إلى النور، ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، قال تعالى: ) لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ( [آل عمران:164].ولعل المهمة التعليمية هي أهم المهام التي كلف بها النبيeإذ يقول الحق جل وعـلا: )وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً([النساء: من الآية:113]، ويقول e: إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا " [صحيح مسلم 2/1104كتاب الطلاق ح رقم1478]، وقد فهم رسول الله e المهمة الجليلة التي أنيطت به، وعظم المسؤولية التي كلف بها، مع علمه بقصر المدة التي يجب عليه أن ينجز المهمة خلالها، فاستنفر الهمم، وسلك مسلك التعليم الجماعي، وحببهم بمجالس العلم فقال: " مَنْ يُرِدْ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِي وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الْأُمَّةُ قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ" [صحيح البخاري، كتاب العلم، باب من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ح رقم 91] وأمر المتعلمين أن يبلغوا ما علموا لغيرهم بأمانة، فقال e: " بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً "[صحيح البخاري، كتاب أحاديث الأنبياء، ح رقم3462]، وقال أيضاً " نضر الله امرأ سمع منا شيئا فبلغه كما سمع فرب مبلغ أوعى من سامع" قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح" [جامع الترمذي5/34 كتاب العلم ح2657] كما حذرهم من التقصير في هذا الجانب، فقالe : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عَلِمَهُ ثُمَّ كَتَمَهُ أُلْجِمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِنْ نَارٍ " قال الترمذي: حديث حسن" [ جامع الترمذي 5/29 ح رقم 2649 ] .وهكذا نشط الصحابةyفي التعلم والتعليم، حتى أزالوا أمِّيتهم في وقت قصير وأصبحوا خير أمة أخرجت للناس بشهادة رب العزة تبارك وتعالى، فقد وصفهم بقوله: )كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ([آل عمران:110].وما كان ذلك ليحدث لولا حكمة النبي e وتميز شخصيته، ولذلك كان لا بد لكل مسلم أن يتعرف على شخصية النبيe العلمية لتكون منارة يهتدي بها، وقدوة يقتدي بها في مسيرته التعليمية، ووجب على المجتمع المسلم أن يبث ملامح هذه الشخصية في نفوس أبنائه حتى يشحذ الهمم التي تقاصرت، ويعيد لهذه الأمة مجدها وسؤددها وتستعيد مكانتها اللائقة بها بين الأمم. تعريف الشخصيةالشخصية: كلمة حديثه الاستعمال فلا نكاد نجد لها وجوداً في معاجم اللغة العربية، وإذا وُجدت فهي تعني: صفات تميز الشخص من غيره، وكان استعمالها قائماً على معنى الشخص.ومعنى الشخص في اللغة: "سَوادُ الإِنْسانِ... وفي الحَدِيث " َلَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللَّهِ " [صحيح مسلم2/1136، كتاب اللعان ح رقم1499] . وقال ابنُ الأَثِير : الشَّخْصُ : كُلُّ جِسم له ارْتفَاعٌ وظُهُورٌ، والمُرادُ به إِثْبَاتُ الذَّاتِ فاسْتُعِير لها لَفْظُ الشَّخْصِ"( ). وقال الجرجاني: "الشخص سواد الإنسان القائم المرئي من بعيد( ).وأما علماء النفس فوصفوا الشخصية بأنها: "مجموعة التفاعلات الداخلية التي تظهر على سلوك الإنسان الخارجي وتنعكس على تصرفاته في مواجهة الأحداث التي تعتريه، وكذلك في مواجهة الأفراد المحيطين به فيؤثر فيهم ويتأثر بهم. وكل فرد من أفراد المجتمع الإنساني يتميز عن غيره في تلك التفاعلات المنعكسة على سلوكه، وشخصية المرء هي التي تتضمن اتجاهاته، ودوافعه، وقيمه، ومبادئه، وما ينتمي إليه، وغير ذلك من سمات تظهر على سلوكه الخارجي فتكسبه ثباتاً على نمط حياتي ثابت، فتتمايز حينئذٍ شخصية الأفراد في المجتمع الإنساني، ومن خلال ذلك يمكن تمييز أو تصنيف الشخصية أو تحديد معالمها( ).