"توقفت المركبة عند منتصف الناس وسط الساحة، صاحت الحناجر صيحة الإستقبال، العرائض وحدها كانت أعلى من الرؤوس ترفرف مثل رايات في مهب الريح، رجال عسكر لم يعد يعرف أحدهم كيف ومن أين خرجوا، توزعوا وشكلوا دائرة كبيرة، شاهرين أسلحتهم بوجه الجميع، فتحوا الباب الغربي للمركبة، أنزلوا أحد عشر شاباً بأسمال بالية، معصوبي العيون، أيديهم مقيدة، ...
قراءة الكل
"توقفت المركبة عند منتصف الناس وسط الساحة، صاحت الحناجر صيحة الإستقبال، العرائض وحدها كانت أعلى من الرؤوس ترفرف مثل رايات في مهب الريح، رجال عسكر لم يعد يعرف أحدهم كيف ومن أين خرجوا، توزعوا وشكلوا دائرة كبيرة، شاهرين أسلحتهم بوجه الجميع، فتحوا الباب الغربي للمركبة، أنزلوا أحد عشر شاباً بأسمال بالية، معصوبي العيون، أيديهم مقيدة، قادوهم دفعاً إلى الجدار الرملي.توقفت الحناجر عن الصباح، وهبطت العرائض لتنسل بهدوء إلى تحت الأقدام، معظمها ممزق، زلزل صوت بعد رشق خرخشان: "أيها المواطنون النخباء، يا رجال الثورة وعنوان كرامتها، في الوقت الذي نحارب أعداء الوطن والأمة، ثمة أنفار من ضعاف النفوس تخلت عن رجولتها لتهدر كرامتها، فئة ضالة باعت شرفها بثمن بخس، لتنخر في جسد بلادنا المباركة بمخالب الخيانة، كي تمهد الفرص لأعدائنا أن تحققوا نصرهم، ويغتصبوا حياتنا الكريمة، في ظل ثورتنا العملاقة المعطاءة، أظلمت الدنيا في عيني أم (ماهر)، سمعت الكلام، فرحت لأن (ماهر) ليس هارباً، لا بد أنه سيعود سالماً، تساءلت: "لِمَ يخدعوننا في كل مرة؟".من بين الأجساد المتزاحمة لمحت أشباح هياكل بشرية، وجوههم على الجدار الرملي، وفي لحظة صمت، وغمض جماعي للكثير من العيون، سقطوا على رشق بنادق من يدي أحد عشر جندياً باركين خلفهم بمسافة عشرين متراً، انسحبت الجموع البشرية - خرس شامل، شعور وحد فيهم هاجس اليأس، أنهم ضحايا أبدية ومخدوعون إلى إشعار آخر، استفاقت (أم ماهر) على يد سقطت على كتفها: "قدر مكتوب"، من بين الغشاوة لمحت أم (ماجد) "ماذا حصل؟"، بكت أم (ماجد)، شاركتها البكاء، وصلت (ماجدة)، مسحت دموعها: "ماذا تنتظران؟"، قالت أم "ماجد": "لن أرجع من غير جنازته"، وهل يعطوننا جنازته؟" قالت أم (ماهر): "ماذا تقولين؟" لم يعد لدينا ما نقوله، قالت (ماجدة) "قتلوهم الكلاب"... صاحت أم (ماجد)، تقدمت الأجساد خائرة، أحد عشر شاباً ساقطاً، يسبحون في برك دماء صغيرة، من بين الجثث، كان (ماهر) معروفاً بيد واحدة، مربوطة إلى عنقه، عكس البقية، كلهم كانوا مثقوبي الظهر، وحده كانت الرصاصات تسكن صدره، فقط القليل من الجماهير المحتشدة، والذين لم يغمضوا عيونهم لحظة الإعدام، رأوا بوضوح، أن من بين الأحد عشر كوكباً من كواكب رافضي الحرب، واحداً... فقط من بينهم قفز إلى الوراء واستقبل الموت برحابة صدر، عيناه تبتسمان، وبقايا صرخة عالقة بشفتيه، ربما كان يعيد مقولة (موحان): "صوت الرصاص دائماً أعلى من صوت الشعر في شرقنا الذبيح"، وربما كان يستذكر ما قالته (مها) في ليلة حب: "حلمت أننا نشنق في الزقاق"، وربما كان يصطاد كلمات قصيدة جديدة، هبطت عليه وهو يموت: بعدما... زقوني الموت زقاً (زقنموت)، هاهم يرمونني في العراء ناسين... أن الشعر ضياء... والضياء لا يموت بصلية عتاد!... أنهم ينقلونني إلى اللون (الأخضر) في علم البلاد... إلى روضة من رياض الحلم... إلى... الفردوس الي يقضي منام كل جلاد... نسوا أنهم أدخلوني إلى محيط اللون (الأحمر) دم الحالمين... الفقراء... دم المساكين الأبرياء... الذين صنعوا أسطورة هذه البلاد!.ذات يوم قالت له مها: الشاعر الحقيقي لا يخاف يا (ماهر)، دائماً صوته أعلى الأصوات، الشاعر رسول الحق، لا ينطق بغير الصدق... وبقي صوته عالياً، وأراد عراقاً يتأسس من جديد، ولكن في تلك البلاد يبدو بأن تأسيس عالم جديد يمر عبر بوابة الولة، يتجرد الجسد من خوفه من أحزانه، من فلسفة البلادة، من فوضى الكوابيس، من الجوع، من السهو، من خوانق البيت وأخلاق مفروضة، عالم سيتشكل ليخلد أو ليموت، تلك هي فلسفة الحياة في بلاد لا تنام إلا على نغمات نيران الحروب، حروب داخلية تستعر، حروب خارجية تتشكل، حروب على الشعب... ففي الحرب تفقد عقول الساسة بشريتها.