
(الأعلى) اسم من أسماء الله عز وجل، ويقتضي توحيد الله تعالى في أسمائه وصفاته الإقرار له بصفة العلو، والإقرار بأنه وحده الأعلى ولا شريك له في ذلك، الأمر الذي ينعكس على سلوك المسلم حينما يرى كل من علا في الدنيا ليدرك أنه لم يعلْ علوا حقيقا، وإنما يبدو وكأنه يعلو علوا ظاهرا فحسب، حيث كتب الله تعالى ألا يرفع شيئا في هذه الدنيا إلا وضعه، وتلك الأيام يداولها الله تعالى بين الناس، فمن علا اليوم لن يعلو غدا، فالله وحده صاحب العلو المطلق، وقد بين سبحانه أنه يستحق التمجيد والتسبيح من هذا الوجه، وفي ذلك أبلغ رد على من ادعوا أنهم أبناء الله وأحباؤه، فإن لم يكن الله تعالى الأعلى، فلن يكون بائن من خلقه، وإن لم يكن كذلك، فكيف إذن يستحق أن يُعبد، ولكنهم لكفرهم لا يدينون لله تعالى بالعبادة، وإنما يقرون - كذبا - له بالحب، وكأن العلاقة بينهم علاقة الأب بابنه وحسب، ولكن الله تعالى يبين بجلاء دين الإسلام، وأنه سبحانه الأعلى، ودلل على استحقاقه العبادة بما ملك، قال سبحانه ﴿ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ ﴾ (الشورى/ 4)، فأشار في هذه السورة إلى قدرته على الخلق والإيجاد، والتسوية والتعديل، والتقدير والهداية، ولخص مفهوم العلو عند المخلوقات بنبتة أحياها، فإذا ما اخضرت وبدا زهوها لم تلبث أن تيبس لتصير هشيما جافا أسودا. والعبد عندما يلتمس علوا في الأرض فإنه يبتغي بذلك إعزاز دين الله تعالى ورفعته، ولا يبتغي لنفسه علوا دون أن يدرك الغاية التي من أجلها يسمو في أهدافه ومبتغاه، ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ (المجادلة/ 11)، ورفعة شأن هذا الدين لا تكون إلا باستقراء كتاب الله تعالى، وتعلم أحكامه، والتماس العلم من الله تعالى، واستذكاره، والمواظبة على مدارسته، والعلم بأن التقوى هي باب العلم، ﴿ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ﴾، ومن حُرم علم حُرمه بمشيئة الله، فهو سبحانه يضع علمه عند من يشاء من عباده، فهو القائل في كتابه ﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ﴾ (يوسف/ 76)، فمن سلك هذا الطريق علا عند الله تعالى إلى جنته، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له طريقا إلى الجنة). وقد أوضحت السورة أن المقصد من إيضاح ذلك كله هو التذكرة، فبها يرتفع مقام العبد عند الله تعالى، وبها يتزكى، ولذلك قال العلماء أن كتاب الله تعالى يخاطب الوجدان كما يخاطب العقل، ولذلك ينتفع بالتذكرة من كان في قلبه خشية، ولا ينتفع بها الأشقى، فكما أن الخشية باب العلم ثم الرفعة عند الله، فكذلك الشقاء باب لاجتناب التذكرة ثم العذاب في النار، حيث لا حياة فيها ولا موت، ثم قبيل الخاتمة تبين السورة طريق الفلاح والنجاح، وألا فلاح ولا نجاح إلا بالتزكية، وتتأتى بذكر اسم الله الأعلى والتماس العلو والنجاح منه سبحانه والصلاة له، بيد أن العباد قلما يفعلون ذلك، حيث يفضلون الدنيا على الآخرة، الأمر الذي حال بينهم وبين العلو والفلاح. وتختتم السورة بإشارة إلى أن كل ما تقدم قد ذكر من قبل في كتب إبراهيم وموسى في لطيفة قرآنية تؤكد أن دعوة الأنبياء واحدة، وأنها تقوم على التوحيد والتزكية، فهدفها التوحيد ووسيلتها التزكية، ولا استحداث في دين الله تعالى في أمرين غاياته أو وسائله.