عالم الفلسفة والعرفان: الشيخ المفيد والتجديد الكلامي

يكتسب الخوض في البحث حول القضايا الكلامية التي عنيت بالأصول الاعتقادية الإسلامية أهمية بالغة، لكونه يسلط الضوء على التاريخ الكلامي الإسلامي منذ انطلاقته نهاية القرن الأول الهجري، ففيه بدأت تسري التساؤلات والشبهات في المجال الثقافي الإسلامي، وأخذت تنمو ونتعاظم لناحية كم ونوعية القضايا المطروحة. ولما كانت بغداد عاصمة المملكة الإسلامية أيام حكم العباسيين، وبعد انتقال الإمارة فيها إلى آل بديه، من الطبيعي أن تصبح محفلاً للمخاممات والمنازعات الكلامية، وأن تكون أيضاً مركزاً لمجالس المناظرة وحلقات الدرس، ومكاناً لزعماء الفرق والمذاهب الكلامية وشخصياتها. ولما كان الشيخ المفيد قد عاش تلك الأجواء وبرز كعلم من متكلمي علماء الشيعة، وزعيماً على رأس إدارة شؤون الطائفة، كان له أن يتزعم حركة التصدي بوجه التحديات الفكرية يهدف الدفاع عن المعتقدات الدينية الإسلامية، وحركة النقاش في مقابل الآراء الكلامية المختلفة يهدف الدفاع عن المذهب الإمامي الاثني عشري. وتمثلت تلك الحركة في: أولاً: قيامه بإحياء مجلس خاص به للتناظر والمحاورة بموازاة المجالس الخاصة بزعماء وشخصيات الفرق الكلامية الأخرى. ثانياً: إنشائه حلقة تدريس لطلابه في مجالات العلوم الإسلامية المختلفة، وخصوصاً الكلامية منها. ثالثاً: انكبابه على التأليف في الكلام والفقه والتفسير وأصول الفقه. وقد اكتسبت تلك المؤلفات أهمية كبيرة نشأت من كونها بنيت وفق منهج جديد في النظر الكلامي، مغاير لمناهج المدرسة الحديثية والمدرسة العقلانية. إن تسليط الضوء على شخصية المفيد، يأتي في سياق التدليل على أهمية موقعه الديني والعلمي هذا، من خلال القراءة الشاملة للأبعاد المختلفة في تلك الشخصية، بدءاً من سيرة حياته الشخصية والدراسية، ونتاجاته العلمية، مروراً بإجراء دراسات فهرسية لمؤلفاته، وتخصيص القسم الأوفر منها حول كتابة "أوائل المقالات" وانتهاءً ببحث مناحي التجديد التي اتسم بها الكتاب هذا. ولقد وقع اختيار المؤلف على كتاب الشيخ المفيد "الأوائل" لكونه يشكل القاعدة والأساس لمؤلفاته الكلامية الأخرى، بعد ما جمع فيه كل مباحث الأصول العقيدية الإسلامية.

الصفحة الرئيسية

التسجيل


اعادة ارسال التفعيل