مذكرات مستر همفر: الجاسوس البريطاني في البلاد الإسلامية

ما إن أطل القرن الحادي عشر حتي كانت طلائع الجيوش الصليبية تدق الأبواب الداخلية في دار السلام بعد أن دب الضعف والتفكك في جسم الدولة وفرقتها حروب الأخوة .. واستمرت الإمارات الصليبية في القسم الغربي من بلاد الشام قرنين من الزمان وأخيراً رحلت جيوش الصليب إلي بلادها مهزومة عسكرياً دون أن تشكل تلك الهزائم خاتمة المطاف . لقد أدرك قادة الصليبية وزعماؤها أن هناك محرضاً لدي الإنسان المسلم يتحر عندما تتعر أرضه لغزو من جانب الكفار فيدفع به إلي الانتفاض والقتال حتي الشهادة لا سيما إذا ما توفرت له القيادة ولو في الجانب العسكري فقط .. وهذا المحرض هو بكل بساطة الدين الإسلامي نفسه . ومن هنا وجه هؤلاء الأعداد جهدهم إلي ذلك المحرض بهدف القضاء عليه ، ولما كانت التجربة أثبتت أن هذا القضاء لا يمكن أن يتم بالقوة العسكرية من الخارج صبوا محاولاتهم علي الداخل . وكان هدف قادة الصليبية يأخذ شكلين مختلفين : بتظاهر مجموعات غير مسلمة باعتناق الإسلام كما حصل في مناط تركياً الأوربية علي أيدي فرق الدونمة, وتبني فرق ذات أصول إسلامية وأستخدامها من أجل ضرب الإسلام . وقد ترافق كل ذلك مع عملية أستعمار ثقافي تمثلت بنسف الفكر السياسي الإسلامي نفسه بعد أن عجزت حركات التبشير والحكومات التي تقف وراءها عن نسف الدين الحنيف جملة وتفصيلا ً. وهذا أدخل في روع الأجيال الإسلامية التي انفتحت علي الغرب أن الإسلام دين عبادة فقط وهو لا يستطيع أن يقدم الحل للمشاكل السياسية والاجتماعية القائمة في هذا العصر ، ومن هنا كانت ضرورة فصله عن الدولة . وقد أدي كل ذلك إلي تسرب الثقافة ذات الأصول اليهودية – المسيحية كما يدعوها مفكرو الغرب إلي البيئة الإسلامية فانتشرت القوانين ذات الجذور الرومانية في بلاد القرآن, كما أنتشر الفكر السياسي القائم علي الموروثات اليونانية واللاتينية وأصبح عقائد لا تحتمل النقاش لدي النخبة المثقفة .. ولما وصلتنا من الغرب الأفكار والعقائد الجديدة التي تحمل بذور الثورة علي الفكر التقليدي ، تلقيناها وأعتبرنا أنها الحل لأزمتنا لأن قريقاً من مفكري الغرب أعتبرها حلا لأزمات المجتمعات الأوربية . وأي فرق بين مجتمعاتنا والمجتمعات الأوربية ؟؟؟ . وهكذا وصلنا إلي حالة الخواء الفكري والخَوَر علي صعيد الاستعداد للذود عن الوطن فكانت بلادنا فريسة سهله للأعداء. تلك كانت الخطوط العريضة للمخطط العام الذي أستهدف بلادناً ، ولكن هذا المخطط تميز بالمرونة وبمسايرة الأوضاع المتباينة والمتحركة في البلدان الإسلامية ، ففي المناطق القريبة من مقر الخلافة جرى الأندساس في الإسلام وذلك بسبب كون النشاط الذي تقوم به الفئات المعادية في هذه المنطقة عرضه للانكشاف لما يفترض من أن السلطة تكون مراقبتها أشد ما تكون في المراكز ثم تتراخي تدريجياً كلما ابتعدنا نحو الأطراف . أما في المناطق المفتوحة علي الغرب كالبلدان الساحلية أو التي تسمح طبيعتها الجغرافية بحرية الحركة فإن الاستعمار الثقافي والاقتصادي كان هو الأسرع إليها وقد كان نجاحه يتعزز أكثر وأكثر كلما كان وجود الملل الأخرى ونشاطها أهم . وأما في المناطق المغلقة والتي يصعب تغلغل الأفكار الجديدة فيها ، فإن المخطط قضي بالإرتكاز إلي الإسلام نفسه حيث تمت دراسته بغرض إعادة إنتاجه بطريقة تحقق أغراض الغرب . وقد أستغل المبشرون الغربيون ضحالة الثقافة الدينية في الأوساط البدوية وسطحية تفكيرها كما استغلوا عاداتها القبلية الجاهلية أحسن استغلال . علي أن القاعدة العامة التي اتبعت في تنفيذ جميع تفاصيل المخطط هي قاعدة "فرق تسُد" التي قضت بنشظية المناطق الإسلامية ، وجعلها متناثرة بل ومتناحرة ومتقاتلة ، وأما الجهد والاهتمام المبذولين فقد كانا يتناسبان مع أهمية المواقع الاقتصادية والجيوستراتيجية . وهكذا وبسبب حاجة البريطانيين إلي العمق الاستراتيجي لقواعدها وحمايتها علي طريق الهند في الخليج وبحر عمان : فقد توجهت أنظارهم إلي الجزيرة العربية ، ونظراً لانغلاق هذه الجزيرة وغلبة الطابع البدوي عليها فقد قضت الخطة بالسيطرة عليها دينياً بالدرجة الأولي..

الصفحة الرئيسية

التسجيل


اعادة ارسال التفعيل